تقهقر النيوليبرالية: الدروس والسياسات المستخلصة

الصورة
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لمجسم كوكب الأرض يحيط به أشخاص | تعبيرية freepik
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لمجسم كوكب الأرض يحيط به أشخاص | تعبيرية freepik

ورقة اقتصادية من إعداد د. عمر الرزاز و د.حازم رحاحلة

آخر تحديث

في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل قواعد الاقتصاد السياسي العالمي، صدرت ورقة بحثية بعنوان "تقهقر النيوليبرالية: الدروس والسياسات المستخلصة" أعدها كل من الدكتور عمر الرزاز، رئيس الوزراء الأسبق "2018-2020" والزميل الأول حاليا في جامعة هارفارد، والباحث الاقتصادي حازم رحاحلة، مدير وحدة الدراسات الاقتصادية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والمدير العام الأسبق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ونائبا لرئيس مجلس الإدارة "2018-2022".

تقدم الورقة قراءة تحليلية معمقة لمسار النيوليبرالية منذ صعودها في ثمانينيات القرن الماضي، وحتى بوادر تراجعها في العقدين الأخيرين، وتستعرض تداعياتها على توزيع الدخل، ودور الدولة، وتكافؤ الفرص، وصولا إلى استخلاص دروس سياسية للدول النامية والمتقدمة على حد سواء.

الجذور الفكرية وصعود النيوليبرالية

توضح الورقة أن النيوليبرالية، التي تبلورت فكريا في مدرسة شيكاغو مع مفكرين مثل ميلتون فريدمان، قامت على إعادة تعريف دور الدولة وتقليصه إلى الحدود الدنيا، مقابل إطلاق العنان لقوى السوق.

وقد شهدت هذه المقاربة صعودا سياسيا مع وصول رونالد ريغان إلى الحكم في الولايات المتحدة "1980-1989"، ومارغريت ثاتشر لرئاسة الوزراء في المملكة المتحدة "1979-1990"، فتم ما يلي:

  • خفض الضرائب على الشركات وأصحاب الدخول المرتفعة.

  • إزالة القيود التنظيمية، خصوصا في القطاع المالي.

  • إضعاف النقابات العمالية.

  • توجيه السياسة النقدية نحو مكافحة التضخم بدلا من تحقيق التشغيل الكامل.

وتشير الورقة إلى أن النيوليبرالية اختلفت عن الليبرالية الكلاسيكية في موقفها من الخدمات الأساسية؛ إذ نظرت إلى التعليم والصحة بوصفهما مسؤولية فردية، لا التزاما عاما على الدولة.

المسار التدريجي لتراجع النيوليبرالية

لا ترى الورقة أن العالم يشهد قطيعة فجائية مع النيوليبرالية، بل مسارا تراكميا لتآكل ركائزها، فقد أطلقت العولمة والأسواق الحرة طاقات الابتكار، وأسهمت في انتشال مئات الملايين من الفقر، لكنها في الوقت ذاته عمقت الفجوات داخل الدول وفيما بينها.

وتستند الورقة إلى أعمال تحليلية مثل كتاب جوزيف ستيغليتز "العولمة وسخطها"، الذي ناقش كلفة الانفتاح غير المنضبط، خصوصا في ظل ضعف الأطر التنظيمية.

كما تشير إلى أن التحولات الأخيرة في الولايات المتحدة وأوروبا، بما فيها السياسات الصناعية الجديدة، وقوانين دعم الرقائق والطاقة النظيفة، تعكس عودة الدولة لاعبا رئيسيا في توجيه الاقتصاد، بعد عقود من هيمنة خطاب "دعه يعمل".

اللامساواة بوصفها نتيجة بنيوية

اللامساواة في توزيع الدخل هي أحد أبرز محاور الورقة؛ إذ تشير البيانات إلى تحولات جوهرية منذ عام 1980، حيث تضاعف تقريبا نصيب أعلى 1% من الدخل في الولايات المتحدة، بينما تراجعت حصة أدنى 50%.

وتسوق الورقة أمثلة من الولايات المتحدة وكندا وألمانيا والصين، مبينة أن اتساع الفجوة رافق التحرير المالي، والتطور التكنولوجي المتحيز للمهارات العالية، وانتقال الأنشطة الإنتاجية إلى الخارج.

وفي هذا السياق، تتقدم إلى الواجهة أطروحات توماس بيكيتي حول تركز الثروة بوصفها مدخلا تفسيريا لفهم اختلالات النمو المعاصر؛ فبيكيتي فرنسي ويعد أحد أبرز منظري اقتصاد عدم المساواة في العصر الحديث، نبه في كتابه رأس المال في القرن الحادي والعشرين إلى أن تفوق عوائد رأس المال على معدلات النمو يقود -بمرور الزمن- إلى تراكم الثروة في أيدي قلة، بما ينتج فجوات اجتماعية تتجاوز البعد الاقتصادي لتطال البنية السياسية والاستقرار العام.

وتتقاطع هذه الرؤية مع أعمال زيا قريشي، الاقتصادي التنموي الذي عمل في البنك الدولي، حيث يؤكد أن اللامساواة ليست مجرد نتيجة جانبية للنمو، بل عامل مؤثر في نوعيته واستدامته، وأن اتساع الفجوات يقوض الثقة المجتمعية ويضعف دينامية الاقتصاد ذاته. 

ومن ثم، تخلص هذه المقاربات إلى حقيقة جوهرية مفادها أن ارتفاع متوسط الدخل القومي، مهما بدا واعدا في المؤشرات الكلية، لا يضمن الرضا الاجتماعي ولا يحصن الاستقرار السياسي إذا ترافق مع تآكل الطبقة الوسطى؛ تلك الطبقة التي تشكل تاريخيا صمام الأمان وركيزة التوازن في أي بنية اقتصادية واجتماعية.

تحيز الجدارة وإعادة إنتاج النخب

انتقد الرزاز والرحاحلة في ورقتهما، فكرة "الجدارة" كما وظفتها النيوليبرالية، معتبرين أنها تحولت إلى أداة لإضفاء شرعية أخلاقية على التفاوت الاجتماعي. 

وتستند الورقة في مقاربتها إلى أطروحات ماريانا مازوكاتو في كتابها "الدولة الريادية"، حيث أعادت هذه الاقتصادية المتخصصة في اقتصاد الابتكار وسياسات التنمية فتح النقاش حول الدور الحقيقي للدولة في تشكيل الاقتصاد المعاصر. 

فقد بينت أن الابتكارات الكبرى، من الإنترنت إلى أشباه الموصلات، لم تنشأ في فراغ السوق الحر، ولم تكن ثمرة المبادرة الخاصة وحدها، بل قامت على استثمارات عامة طويلة الأجل، تحملت الدولة مخاطرها في مراحل البحث والتطوير الأولى، حين كان رأس المال الخاص مترددا أو عاجزا عن خوض تلك المغامرة.

ومن هذا المنطلق، تحذر الورقة من أن تقليص دور الدولة إلى مجرد منظم هامشي يفتح المجال لتضخم نفوذ جماعات الضغط (Lobbying)، حيث تعاد هندسة القوانين والسياسات بما يخدم مصالح ضيقة ومركزة، على حساب الصالح العام والعدالة التوزيعية. فحين تنكفئ الدولة عن دورها الاستراتيجي، لا يملأ الفراغ "السوق الحر" كما يفترض، بل تتقدم قوى النفوذ لإعادة تشكيل المجال الاقتصادي وفق ميزان القوة لا وفق ميزان المصلحة الوطنية.

الأزمات ككاشف بنيوي

شكلت الأزمة المالية العالمية 2007–2008 وجائحة كورونا (كوفيد-19) محطات مفصلية كشفت هشاشة نموذج التحرير غير المنضبط.

ففي الولايات المتحدة وحدها، أُقرت حزم دعم تجاوزت خمسة تريليونات دولار، وارتفع العجز والدين العام إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، كما ارتفع الإنفاق الاجتماعي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من نحو 20% من الناتج المحلي عام 2019 إلى قرابة 23% عام 2020.

وترى الورقة أن هذه التدخلات لم تكن مجرد إجراءات طارئة، بل شكلت عمليا نقضا لبعض مسلمات النيوليبرالية.

عودة الدولة عبر الشركات المملوكة والصناديق السيادية

تسلط الورقة الضوء على الشركات المملوكة للدولة والصناديق السيادية بوصفها أدوات تصحيحية لمعالجة إخفاقات السوق.

وتشير إلى أن عدد الشركات المملوكة للدولة ضمن أكبر 500 شركة عالميا ارتفع بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، وأنها تدير أصولا تريليونية وتشغل ملايين العمال.

كما تناقش تجارب صناديق سيادية مثل صندوق الأجيال في الكويت وصناديق آسيوية لعبت دورا في التنويع الاقتصادي والاستثمار الاستراتيجي طويل الأجل.

غير أن الورقة تؤكد أن نجاح هذا الدور مشروط بما يلي:

  • حوكمة رشيدة.

  • مساءلة فعالة.

  • منظومة تكافئ النجاح وتعالج الفشل.

الإرهاصات السياسية وصراع الهيمنة

تربط الورقة بين التغيرات الاقتصادية والتحولات السياسية، مشيرة إلى أن تصاعد النزعات الحمائية ويقصد بها "الميل إلى تبني سياسات اقتصادية تقيد الانفتاح التجاري بدعوى حماية الاقتصاد الوطني من المنافسة الخارجية"، فضلا عن سياسات إعادة توطين الإنتاج، والقيود على الهجرة، كلها تعكس انتقالا تدريجيا نحو نموذج أقرب إلى "رأسمالية الدولة".

وتحذر من أن بعض السياسات الضريبية والمالية قد تعمق التفاوت بدلا من معالجته، إذا لم تصمم ضمن إطار يعزز العدالة الاجتماعية.

3 دروس مستفادة

1. النمو مهم لكن عدالة التوزيع حاسمة

  • تحقيق معدلات نمو مرتفعة لا يكفي لضمان الاستقرار، إذا لم توزع ثماره بصورة عادلة. 

  • تجاهل البعد التوزيعي يولد استياء قد يقود إلى تحولات سياسية جذرية.

2. تكافؤ الفرص مدخل العدالة المستدامة

العدالة في الفرص، عبر تعليم نوعي وصحة ميسورة وسياسات اجتماعية فعالة، هي الطريق الأجدى لضمان عدالة التوزيع على المدى الطويل.

3. الدولة مكمل للسوق وليست بديلا عنه

تؤكد الورقة أن العلاقة المثلى ليست صراعا صفريا بين الدولة والسوق، بل تكاملا ذكيا بين آليات السوق والتدخل الاستراتيجي للدولة، ضمن إطار حوكمة رشيد يوازن بين الكفاءة والعدالة. 

ملخص

تقدم ورقة "تقهقر النيوليبرالية" قراءة نقدية رصينة لمرحلة اقتصادية امتدت لأربعة عقود، وتدعو إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي والاقتصادي، بما يحقق نموا أكثر شمولا، ودولة أكثر فاعلية، وسوقا أكثر انضباطا.

وهي بذلك لا تعلن نهاية النيوليبرالية بقدر ما ترصد تحولها، وتفتح الباب أمام نقاش عالمي حول نموذج تنموي جديد، أكثر توازنا بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.

للاطلاع على الورقة

دلالات
شخصيات ذكرت في هذا المقال
الأكثر قراءة
00:00:00