تُظهر المعطيات الميدانية والتحليلات الصادرة عن المؤسسات الحقوقية والدولية أن المشهد السياسي الإسرائيلي يشهد تحولا بنيويا غير مسبوق مع اقتراب
انتخابات الكنيست 26: فلسطينيو الـ48 بين مقصلة الفاشية ومعادلة التأثير
تتجه أنظار المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 نحو سباق انتخابات الكنيست في ظل بيئة سياسية وأمنية هي الأشد فاشية وعنصرية منذ عقود، فلم تعد المعركة الانتخابية داخل المؤسسة الإسرائيلية تقتصر على التنافس الحزبي التقليدي، بل أصبحت محكومة باستراتيجية ممنهجة لتفكيك النسيج المجتمعي العربي وإقصاء تمثيله السياسي.
فبينما يُحاول الشارع العربي استغلال وزنه الانتخابي الحاسم المنوط بـ15 مقعدا لمنع تشكيل حكومة يمين متطرف، تُواجه بلداته تفشيا دمويا للجريمة المنظمة والسلاح المتروك بتواطؤ وأمننة إسرائيلية، بالتوازي مع مأسسة الإقصاء السياسي عبر "قانون القومية" وقرارات لجنة الانتخابات المركزية.
القوائم العربية وبدائل المشاركة والمقاطعة في انتخابات الكنيست
تشهد نسبة مشاركة المواطنين العرب في انتخابات الكنيست تذبذبا حادا؛ حيث بلغت نحو 65% عام 2020 عند توحد القائمة المشتركة، قبل أن تتراجع إلى 45% عام 2021، وتعود جزئيا إلى 53.2% عام 2022، وسط تقديرات باستطلاعات 2026 بوصولها إلى 59% في حال اشتداد المنافسة والشعور بالخطر. وتتنافس في هذه المعركة ثلاثة أحزاب رئيسية:
-
تحالف الجبهة والعربية للتغيير "أيمن عودة وأحمد الطيبي".
-
القائمة الموحدة "منصور عباس".
-
التجمع الوطني الديمقراطي "سامي أبو شحادة".
وقد سعت هذه القوائم إلى توقيع اتفاقيات فائض أصوات لاستغلال الوزن الانتخابي العربي الذي يُقدّر بـ15 مقعدا، باعتباره كتلة حاسمة "بيضة القبان" قادرة على منع ائتلاف اليمين الفاشي بقيادة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من تحقيق أغلبية 61 مقعدا.
وفي المقابل، يتنازع تياران على الشارع الفلسطيني داخل الـ48:
-
تيار يدعو للمشاركة الانتخابية لفرض معادلة التأثير وإسقاط الفاشية.
-
تيار يدعو للمقاطعة نتيجة الإحباط الشديد من سياسات التهميش والاستهداف الممنهج، ومواصلة حرب الإبادة والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني.
يوضح الجدول التالي التحولات في المشاركة العربية، حيث يظهر جليا أن استعادة الثقة مرتبطة دائما باستشعار الخطر الوجودي
|
العام الانتخابي |
نسبة المشاركة العربية |
الحالة السياسية والسياق |
|
2020 |
%65 |
ذروة التوحد تحت مظلة "القائمة المشتركة" |
|
2021 |
%45 |
تراجع حاد نتيجة التفتت الداخلي وحالة الإحباط |
|
2022 |
%53.2 |
عودة جزئية للمشاركة مع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف |
|
2026 (توقعات) |
%59 |
ناتجة عن اشتداد المنافسة والشعور بالخطر الوجودي |
محطات التحول التاريخي في تصويت العرب للأحزاب الصهيونية
|
المرحلة |
الفترة |
اتجاه تصويت العرب |
أبرز السمات والعوامل |
|---|---|---|---|
|
مرحلة الحكم العسكري |
1949–1967 |
أكثر من 85%–90% للأحزاب الصهيونية والقوائم العربية التابعة لها |
هيمنة حزب "ماباي"، إلى جانب المنافع الخدمية والترهيب المباشر، أسهما في ارتفاع التصويت للأحزاب الصهيونية والقوائم الدائرة في البلدات العربية. |
|
مرحلة الصحوة الوطنية والصعود المستقل |
1967–2014 |
تراجع كبير في التصويت للأحزاب الصهيونية |
اتجه التصويت بصورة أكبر إلى الحزب الشيوعي والأحزاب العربية الوطنية، ومنها التجمع والجبهة والحركة الإسلامية، فيما بقي التصويت للأحزاب الصهيونية مرتبطا بدرجة أكبر بالبُعد الخدماتي النفعي، خصوصا لحزبي العمل وميرتس. |
|
ذروة التهميش – القائمة المشتركة |
2015–2020 |
أقل من 15% للأحزاب الصهيونية |
وصل التصويت العربي للأحزاب الصهيونية إلى مستويات قياسية في الانخفاض، وتركزت النسبة المتبقية بصورة خاصة في البلدات الدرزية وبعض التجمعات البدوية. |
|
مرحلة الاختراق والانقسام |
2021–2022 |
18%–22% للأحزاب الصهيونية |
أدى انشقاق القائمة المشتركة ودخول الموحدة إلى الائتلاف الحكومي، إلى جانب حملات اليمين الصهيوني، ومنها استراتيجية "أبو يائير" لنتنياهو، إلى إعادة تسرب نسبة من الأصوات العربية إلى أحزاب صهيونية مثل ميرتس، ويش عتيد والليكود. |
|
الاتجاه المتوقع لانتخابات 2026 |
2026 |
أقل من 10% للأحزاب الصهيونية |
يُتوقع تراجع التصويت العربي للأحزاب الصهيونية إلى الحد الأدنى، في ظل ما يصفه النص بسقوط وهم "الشراكة الصهيونية"، على خلفية السياسات الاستيطانية والفاشية المعلنة وتواطؤ المؤسسات الإسرائيلية في ملف الجريمة المنظمة. |
|
الانقسام بين المقاطعة وإعادة التكتل الوطني |
انتخابات 2026 |
بين رفع وزن القوائم العربية والمقاطعة |
تتجه كتلة المصوتين العرب -وفق المعطيات الواردة- إما إلى رفع وزن القوائم العربية لمواجهة الفاشية، أو إلى المقاطعة الشاملة بدلا من تدوير الأصوات لصالح الأحزاب الصهيونية. |
الخطاب التحريضي.. "الفزاعة العربية" كأداة تجييش انتخابية
تعتمد أحزاب اليمين الإسرائيلي، وفي مقدمتها الليكود وتيار الصهيونية الدينية، على تحريض عنصري ممنهج يستهدف النواب والقوائم العربية، عبر وصفهم بـ "داعمي الإرهاب" و"العدو الداخلي".
ويُوظف هذا الخطاب التحريضي كأداة أيديولوجية لـ"هندسة الانتخابات" وتجييش الشارع اليهودي؛ حيث يهدف الترهيب من إمكانية دخول الأحزاب العربية في أي ائتلاف حكومي قادم إلى رفع نسبة تصويت الناخب اليهودي، وتحويل الصوت العربي إلى عنصر شيطنة يُحظر التعامل معه أو شرعنته في أدبيات السياسة الإسرائيلية.
اقرأ المزيد.. صراع على إدارة الاحتلال لا على إنهائه
الجريمة المنظمة والسلاح أداة لتفكيك النسيج المجتمعي
يعيش المجتمع الفلسطيني داخل الـ48 قفزات دموية غير مسبوقة في أعداد ضحايا الجريمة المنظمة؛ حيث سُجّل 228 قتيلا عام 2023، وارتفع الرقم القياسي إلى 249 قتيلا عام 2025، ثم إلى أكثر من 131 قتيلا في النصف الأول من عام 2026. ورغم أن الفلسطينيين يشكلون 20% فقط من السكان، فإنهم يمثلون أكثر من 80% من ضحايا جرائم القتل في دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وتكشف المعطيات عن تواطؤ وتقاعس أمني إسرائيلي صريح؛ إذ تفك الشرطة الإسرائيلية رموز نحو 15% فقط من جرائم القتل في المجتمع العربي، مقارنة بـ65% في المجتمع اليهودي. بالتوازي مع انتشار أكثر من 400.000 قطعة سلاح غير قانوني، معظمها مسرب من ثكنات وقواعد جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبدلا من إنفاذ القانون المدني، تسعى المؤسسة الإسرائيلية لـ "أمننة الأزمة" والتعامل مع الجريمة كـ "تهديد أمني" عبر إقحام جهاز الشاباك، في سياسة تهدف إلى إغراق المجتمع في الاقتتال الداخلي وتفكيك نسيجه الوطني وتفريغ طاقاته السياسية.
"قانون القومية" مأسسة الإقصاء ونزع الشرعية السياسية
يشكل "قانون الأساس: إسرائيل دولة القومية للشعب اليهودي" (2018) المرجعية الدستورية لمأسسة التفوق اليهودي، وإلغاء الرسمية عن اللغة العربية، ونفي الحقوق الجماعية للفلسطينيين.
ولتضييق الخناق على التمثيل العربي، توظف أحزاب اليمين تشريعات مثل "المادة 7أ" من قانون الأساس و"قانون فصل النواب"، وتُستغل هذه القوانين عبر "لجنة الانتخابات المركزية" ذات التشكيل السياسي الحزبي لتقديم التماسات متكررة تهدف لشطب القوائم العربية وإبعاد نوابها "كما حدث مع حنين زعبي وأحمد الطيبي والتجمع" تحت ذريعة "نفي يهودية الدولة" أو "دعم الإرهاب".
وتُسهم هذه المنظومة التشريعية والإدارية في سلب الشرعية السياسية عن التمثيل العربي ومنع تشكيل أي تحالفات حقيقية تضمن حقوق فلسطينيي الـ48.
فيتو "يهودية الدولة" يحول هذا المفهوم إلى مقصلة قانونية تمنع أي تحالف سياسي حقيقي يضمن حقوق الفلسطينيين، مما يجعل بقاء النواب العرب في البرلمان رهينة لمزاج اليمين.
صمود الوجود ومواجهة التفكيك
إن محصلة الاستهداف الراهن تظهر أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى لحصار فلسطينيي الـ48 بين فكي كماش: فك الجريمة المنظمة والسلاح المسرب لتفكيك مجتمعهم من الداخل، وفك التشريعات العنصرية والتحريض الانتخابي لإقصائهم ونزع شرعيتهم السياسية من الخارج، وأمام هذا الواقع، يبقى الصوت الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1948 مرشحا لفرض معادلة التأثير ومواجهة الفاشية والمتطرفين رغم كل أدوات القمع والإقصاء.
اقرأ المزيد.. هندسة الضم وتسارع التطهير العرقي ورقة لعبور الصناديق