صحفي رياضي، مقدم برنامج في التسعين
المشاركة المونديالية الأولى للنشامى.. نقطة تحول استراتيجية للكرة الأردنية
في عالم كرة القدم، هناك هزائم رقمية تُخفي في طياتها انتصارات استراتيجية بعيدة المدى. هذا تماما ما تلخصه مشاركة المنتخب الأردني في نهائيات كأس العالم الأخيرة، فالقصة هنا لا تتعلق بجدول ترتيب المجموعات الذي قد يبدو قاسيا للوهلة الأولى، بل بالتحول الجذري في "العقلية والشخصية" الكروية التي ظهر بها النشامى أمام نخبة من عمالقة العالم.
لقد دخل الأردن البطولة كاسم جديد كليا على المحفل العالمي، وغادرها بعد مواجهات مع مدارس كروية شديدة التباين (النمسا، الجزائر، والأرجنتين).
لكن هذه المغادرة لم تكن انكسارا، بل كانت إعلانا رسميا عن ولادة جيل كروي أردني يمتلك الجرأة على مقارعة الكبار.
دروس مهمة من مشاركة المنتخب الأردني
بقراءة متأنية للمباريات الثلاث وبعيدا عن العاطفة، نجد أن التواجد في المونديال وضع الكرة الأردنية أمام مرآة الحقيقة العالمية. فالفوارق التي حسمت المباريات لم تكن في الموهبة أو الروح القتالية، بل انحصرت في "جزئيات النضج الكروي مثل كيفية التحكم بإيقاع المباراة عند تقدم الخصم أو هدوء اللمسة الأخيرة أمام المرمى، وسرعة الارتداد الدفاعي والنقطة الأهم في كيفية التعامل من الكرات الثابتة كالركنيات أو الركلات الحرة.
هذه التفاصيل لا تُشترى في المعسكرات التدريبية، بل تُكتسب فقط عبر هذا النوع من الاحتكاك العنيف والمباشر مع منتخبات عالمية تمرست في هذه الأجواء لعقود.
وعند التدقيق في تفاصيل المباريات نجد ان الفترات التي فرض فيها المنتخب الأردني أسلوبه على فترات برهنت على أن الأساس الفني متين، وأن ما ينقص لاعبينا هو الخبرة الدولية المتراكمة فقط وتكثيف مباريات الأجندة الودية مع مدارس النخبة.
رمزية المدرج
ولأن المشاركة الأردنية ليست حدثا رياضيا معزولا عن المجتمع الأردني بأطيافه كافة، تحولت هذه المشاركة إلى ملحمة وطنية حية. ولعل المشهد الأكثر تعبيرا في هذه الرحلة المونديالية هو الحضور الدائم للملك عبدالله الثاني وولي العهد الأمير الحسين في المدرجات.
هذا التواجد تجاوز الإطار البروتوكولي المعتاد ليتحول إلى مظلة دعم معنوي مباشرة للاعبين، ورسالة واضحة للعالم بأن هذا الإنجاز الكروي يمثل طموح دولة بأكملها.
هذه المؤازرة الملكية للنشامى منحت حصانة نفسية كبيرة للاعبين والجماهير، وعكست لقطات الفرح والتشجيع العفوي من القيادة صورة حضارية مشرقة للأردن على الساحة الدولية.
لغة الأرقام مبشرة
الأهداف الثلاثة التي سجلها نجوم المنتخب الأردني علي علوان ونزار الرشدان وموسى التعمري كانت بطاقات مونديالية تاريخية حفرها النشامى في السجلات الخالدة لبطولات كأس العالم.
وعلى الرغم من أهمية الأهداف الثلاثة الأخيرة فإنه يمكن القول إن خبراء اللعبة والمحللون حول العالم سيتوقفون عند هدف التعمري (ميسي الأردن) في مرمى المنتخب الأرجنتيني (بطل العالم) حيث تكمن قيمة هذا الهدف (رغم خسارة اللقاء 3-1) في أنه كسر عذرية الشباك الأرجنتينية التي استعصت على الجميع طوال الدور الأول، وهو ما يعكس حجم الجرأة الهجومية التي تسلح بها النشامى.
خلف هذا الهدف، كانت هناك إحصائيات فردية لافتة تؤسس لمستقبل احترافي واعد للعديد من الأسماء :
-
علي علوان أظهر شراسة هجومية واضحة وتصدر مؤشرات المحاولات والتسديد في الجولة الافتتاحية.
-
عبدالله نصيب ويزن العرب شكّلا سدا دفاعيا منيعا وكانا من الأبرز في قطع الكرات واستخلاصها بنجاح.
خزان كروي أردني
قدرة لاعبي المنتخب الأردني على مواجهة منتخبات متعددة بهويات كروية مختلفة أكدت حقيقة مهمة وهي أن الخزان الكروي الأردني مليء بالمواهب الجاهزة للانفجار في الدوريات العالمية الكبرى.
وعلى الرغم من عتب الجماهير على المدير الفني الكابتن جمال السلامي في بعض قراراته الفنية وعلى يزيد أبو ليلى بجملة الأخطاء المؤثرة التي ارتكبها في المباريات الثلاث فإن حالة من الرضا تسود أروقة الجماهير الأردنية عن المشاركة المونديالية الأولى للنشامى.
الخلاصة الأهم التي يجب أن يخرج بها الشارع الرياضي واتحاد كرة القدم هي أن المونديال ليس محطة وصول نهائية نكتفي بالاحتفال بها، بل هو نقطة انطلاق جديدة بالكامل.
طُويت الصفحة المونديالية الأولى بكل ما فيها، لكن سقف الطموح ارتفع إلى غير رجعة ولم يعد الحلم الأردني مستقبلا هو "مجرد التأهل" لالتقاط الصور التذكارية في كأس العالم، بل أصبح الهدف هو التواجد الدائم والمنافسة الحقيقية، مدفوعين بثقة كسرت معها كل حواجز الخوف، وجيل ناشئ رأى راية بلاده بين الكبار فأدرك أن المستحيل ليس أردنيا.
اقرأ المزيد.. التعمري يهز شباك الأرجنتين