السوق السوداء لتذاكر جسر الملك حسين.. "حسنى" تتبع خيوط السماسرة

الصورة
أزمة خانقة على جسر الملك حسين 13/7/2025 | المصدر: مواقع التواصل
أزمة خانقة على جسر الملك حسين 13/7/2025 | المصدر: مواقع التواصل
المصدر
آخر تحديث

في الوقت الذي تشتد فيه حرارة الصيف في غور الأردن، تشتد معها معاناة آلاف الأشقاء الفلسطينيين المسافرين عبر جسر الملك حسين وهذه المعاناة يفرضها الاحتلال الإسرائيلي عبر تحديد سقف مغادرة تعسفي لا يتجاوز 2500 إلى 3000 مسافر يوميا، مما يتسبب بإغلاق منصات الحجز الإلكتروني لأسابيع وأشهر مقبلة.

خلف هذا المشهد الإنساني المعقد، برزت "عوالم خفية" لأفراد يعملون بالسمسرة والابتزاز، تحكموا بمواعيد السفر وباعوا التذاكر بأسعار فلكية خارج حدود القانون.

فتحت حسنى هذا الملف الحساس، واضعة يدها على أدلة ووثائق دامغة تكشف تدخلا من منظومة الحجز التابعة لشركة "جت" للنقل السياحي، وهو ما أحدث هزة رقابية دفعت الشركة لفتح تحقيق واتخاذ قرارات احترازية بتجميد صلاحيات بعض موظفيها.

بداية الخيط.. شهادة حية وابتزاز بـ 260 دينارا

الخيط الأول كشفته حسنى من خلال اتصال هاتفي وثق حالة إنسانية صارخة للمواطن "شادي عيسى"، الذي كان يحاول تأمين عودة ابن خالته إلى فلسطين بعد خضوعه لعملية جراحية في الأردن. 

ورغم وجود توجيهات رسمية بفتح جسر الملك حسين للحالات الإنسانية، اصطدم الواقع الميداني بأبواب مغلقة ومنصة حجز "مقفلة بالكامل" لقرابة الشهر، سواء للمسافرين العاديين أو حتى فئة الـ"VIP".

عند بوابة جسر الملك حسين، التقط السماسرة حاجة العائلة؛ حيث عرض أحدهم تأمين تذكرة "VIP" فورية، ولكن بسعر صاعق بلغ 260 دينارا أردنيا، في حين أن السعر الرسمي المطبوع على التذكرة هو 90 دينارا فقط.

ولم يتوقف الابتزاز عند حدود المال، بل كشف "شادي" عن شرط غريب فرضه السمسار تمثل في إجبارهم على تحميل 3 كروزات دخان و3 كيلو معسل، يسلمها مسافرهم لشخص ينتظره في الجانب الآخر من الجسر كأمانة، مقابل إصدار التذكرة.

الوثائق التي حصلت عليها حسنى وقدمتها للجهات الأمنية أثبتت أن السمسار التقط صورة جواز السفر، وبمكالمة هاتفية استغرقت ثواني معدودة، صدرت تذكرة رسمية من نظام شركة "جت" باسم المسافر وبموعد فوري، مما أكد وجود "حلقة وصل" داخلية تتلاعب بالـ"سيستم" المستعصي على المواطنين.

الهندسة العكسية للفساد.. كيف تلاعب السماسرة بالنظام؟

أمام الدلائل الدامغة التي واجهت بها حسنى إدارة شركة "جت"، خرج المستشار التنفيذي للشركة، الدكتور نضال المجالي، في مداخلة صريحة، واصفا ما جرى بالخلل الناتج عن نفوس مريضة أمّارة بالسوء.

المجالي شرح لـ حسنى الثغرة التقنية والهندسة العكسية التي استغلها السماسرة؛ حيث تبين أن الأسماء لا يمكن تعديلها على النظام تلقائيا، ولكن السماسرة كانوا يتبعون حيلة الحجز المسبق لتواريخ بعيدة بالاسم ورقم الجواز الحقيقي للمسافر وبقيمة 90 دينارا، ثم يتواصل السمسار مع طرفه داخل الشركة، والذي يمتلك صلاحية "تعديل المواعيد" ليقوم الموظف بترحيل تاريخ السفر إلى اليوم ذاته، مستغلا شواغر في مسارات أخرى لا تظهر للمواطن العادي على المنصة العامة مثل مسارات الدبلوماسيين، أو حملة هويات القدس، أو الحافلات الملغاة من الطرف الآخر.

وتخرج التذكرة في النهاية من النظام مطبوعة بالاسم الصحيح والتاريخ المزور الفوري، ليقبض السمسار 260 دينارا، ويذهب فارق السعر الذي يتجاوز 170 دينارا لجيوبهم.

تجارة السجائر.. خنق المنصة بـ "العقود السوداء"

هذا الاستغلال المنظم تلاقى مع ظاهرة خطيرة أخرى رصدها الكاتب ماهر أبو طير خلال جولات وزارة الداخلية؛ وهي ظاهرة تجار السجائر والمعسل العابرين للحدود.

هؤلاء التجار يستحوذون على أعداد هائلة من تذاكر المنصة الرسمية عبر شبكات السماسرة، ليرسلوا مهرّبين مأجورين للدخول إلى الأردن فقط لغاية الوصول إلى السوق الحرة وشراء السجائر بكميات ضخمة، حيث يباع الكروز في السوق الحرة بـ20 دينارا ويعاد بيعه في فلسطين بـ60 دينارا.

هذه التجارة السوداء حوّلت المنصة المخصصة لخدمة المواطن والنزيل والمريض إلى ساحة استثمار مالي لحملة الحقائب والمهرّبين، مما أدى إلى نفاد الحجوزات وحرمان صاحب الحاجة الإنسانية الحقيقية من السفر، ودفع الأسر للاستسلام لابتزاز السماسرة.

زلزال رقابي.. جولات الفراية المباغتة في الفجر

إثر ما فجّرته حسنى من شكاوى ووثائق، قاد وزير الداخلية مازن الفراية تحركا ميدانيا حاسما؛ فلم يكتفِ بالزيارة التفقدية المعلنة يوم الأحد 21 حزيران للاجتماع بمسؤولي جسر الملك حسين ومدير شركة "جت"، بل تبعها بزيارة مباغتة وغير معلنة فجر يوم الخميس 25 حزيران.

الوزير نزل إلى الميدان متخفيا من الترتيبات الرسمية، ورافق المسافرين منذ الخامسة صباحا تحت لهيب الأغوار، واستمع مباشرة وبلا حواجز لشهادات الفلسطينيين الذين تحدّثوا بمرارة عن السماسرة والإكراميات والابتزاز المالي عند بوابات جسر الملك حسين، وفي المقاهي المحيطة التي تحول البساط الخارجي لها إلى بورصة سوداء للتذاكر.

وعلى الفور، وجّه الوزير بتعزيز الرقابة الأمنية السرية والعلنية، وملاحقة السيارات الخاصة التي تختطف الركاب، وإعادة تقييم شاملة لكامل ملف المنصة بالتنسيق مع الأجهزة السيادية.

قرارات حاسمة لـ "جت".. إغلاق المحبس وتجميد الصلاحيات

اتخذت شركة "جت" حزمة قرارات فورا لقطع دابر الفساد، حيث أعلن المستشار التنفيذي للشركة عن تجميد صلاحيات 30 موظفا وسحب قدرة فتح الشاشات، والتعديل، والترحيل، والإلغاء كاملا من كل موظفي الحجوزات، سواء في "الكول سنتر" أو العاملين ميدانيا في مكاتب جسر الملك حسين.

كما شمل القرار فرض الحظر الإلكتروني الشامل وإغلاق النظام تقنيا من خلال مركز تكنولوجيا المعلومات التابع للشركة، وحصر أي تعديل للحالات الإنسانية والقاهرة الصادقة بالإدارة العليا للشركة فقط، وبإذن إلكتروني مؤقت يفتح لثوان معدودة وينتهي فورا لضمان عدم استغلاله، مع إحالة الموظفين المشتبه بتواطؤهم مع السماسرة لتحقيق داخلي موسع بالتنسيق مع الجهات الأمنية والجنائية لإحالتهم إلى القضاء الأردني.

الاستراتيجية القادمة وفك العقدة

يؤكد هذا التقرير أن الفساد يبدأ دائما بثغرة صغيرة أو بسكوت عابر، لكنه سرعان ما يتحول إلى شبكة أخطبوطية تسيء لسمعة الدور الأردني الإنساني والتاريخي تجاه الأشقاء في فلسطين.

وقد أقرّت الشركة والوزارة بالخلل ووضعتا الحلول الأولية بوقف الصلاحيات ومطاردة السماسرة ميدانيا، إلا أن الحل الاستراتيجي يتطلب مراجعة جذرية للمنصة تضمن ربط التذكرة برقم الجواز والتدقيق عليها أمنيا عند ختم المغادرة لمنع عمليات البيع والشراء.

كما يتطلب حلا سياسيا ودبلوماسيا عبر الضغط الدولي المشترك على سلطات الاحتلال لإلغاء سقف المسافرين وتمديد ساعات العمل لفتح جسر الملك حسين على مدار 24 ساعة، إذ إن توفر المقاعد وسلاسة السفر هما الكفيلان الوحيدان بالقضاء على السوق السوداء وسحب البساط نهائيا من تحت أقدام السماسرة ومرضى النفوس. 

اقرأ المزيد.. "جت" توقف صلاحيات 30 موظفا بعد رصد تجاوزات

الأكثر قراءة
00:00:00