أجرى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي سلسلة اتصالات هاتفية مع وزراء خارجية تركيا وقطر والسعودية والكويت والبحرين
75 عاما على استشهاد الملك المؤسس.. عبدالله الأول رحمه الله
في ذكرى مرور 75 عاما على استشهاد الملك عبدالله الأول بن الحسين، تعود تفاصيل مرحلة مفصلية من تاريخ الأردن والمنطقة إلى الواجهة، حيث يستحضر المؤرخون دوره في تأسيس الدولة الأردنية، ودفاعه عن القدس وفلسطين، ومسيرته السياسية التي انتهت باغتياله على عتبات المسجد الأقصى المبارك.
في الساعة 11:45 من ظهر العشرين من تموز 1951، دخل الملك عبدالله الأول بن الحسين المسجد الأقصى قادما من عمان، يرافقه حفيده الشاب الأمير حسين بن طلال.
كان الملك بصحة جيدة على الرغم من بلوغه عتبة السبعين، سعيدا بتخريجه أول دفعة طيارين أردنيين في صباح اليوم الذي سبق زيارته الخاطفة إلى القدس، وقف رجل فلسطيني خلف الباب الأيمن للمسجد يُدعي مصطفى شكري عشّو، وفي يده مسدس تمكن من تهريبه، وعند رؤيته الملك أطلق عليه ثلاث رصاصات أصابته إصابة مباشرة.
والملك عبدالله هو ثاني أبناء الشريف حسين بن علي، أمير مكة المكرمة، وقائد الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين سنة 1916، وقد ولد الملك عبدالله الأول في عام 1882.
ويرى الباحث والمؤرخ الأردني جورج طريف أن استشهاد الملك المؤسس في رحاب المسجد الأقصى يحمل رمزية تاريخية كبيرة، ترتبط بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبعلاقة الأردن التاريخية بالقضية الفلسطينية منذ بدايات تأسيس الدولة.
الأقصى شاهد على ارتباط الهاشميين بالمقدسات
يقول طريف إن حادثة استشهاد الملك عبدالله الأول في المسجد الأقصى لم تكن مجرد اغتيال سياسي، بل حملت دلالة عميقة على ارتباط الهاشميين بالقدس والمقدسات، مشيرا إلى أن المكان الذي استشهد فيه الملك المؤسس يعكس استمرار الدور الهاشمي في حماية المقدسات ورعاية شؤونها.
وأوضح أن الملك المؤسس كان يدرك حجم المخاطر التي تحيط بالأردن والمنطقة، وأنه كان يؤكد دائما استعداده لمواجهة التحديات، مستشهدا بروايات تاريخية تشير إلى أنه كان يتمنى أن تكون نهايته في سبيل قضية يؤمن بها، لا بسبب المرض، بعد إصابته بمرض السكري في وقت كانت فيه خيارات العلاج محدودة.
وأشار إلى أن وصية الشريف الحسين بن علي، والد الملك المؤسس، كانت أن يدفن في القدس الشريف، وهو ما تحقق، إذ بقي قبره شاهدا في المدينة المقدسة حتى اليوم، في تأكيد على عمق العلاقة التاريخية بين الهاشميين والقدس.
وثائق اغتيال الملك عبدالله الأول ما تزال مغلقة
وحول استمرار عدم الإفراج عن كامل وثائق التحقيق البريطانية المتعلقة باغتيال الملك عبدالله الأول، قال طريف إن الوثائق الخاصة بهذه المرحلة محفوظة في الأرشيف البريطاني، وإن بريطانيا درجت تاريخيا على الإفراج عن الوثائق بعد مرور مدد زمنية محددة.
وأوضح أن الإفراج عن وثائق اغتيال الملك المؤسس تأجل رغم مرور 50 عاما، ثم أعيد تأجيله بعد مرور 75 عاما، معتبرا أن استمرار حجب هذه الوثائق يثير تساؤلات حول وجود معلومات أو أطراف لم ترغب بريطانيا بكشف دورها أو علاقتها بالحادثة.
وأضاف أن التاريخ الأردني خلال فترة الانتداب البريطاني وما بعدها موثق في الوثائق الأردنية والبريطانية، إلا أن بعض الملفات الحساسة ما تزال بحاجة إلى الكشف الكامل أمام الباحثين والمؤرخين.
الملك المؤسس وحرب عام 1948.. قراءة تاريخية مختلفة
وتناول طريف الظروف السياسية التي سبقت اغتيال الملك المؤسس، مؤكدا أن القضية الفلسطينية كانت محورا أساسيا في تلك المرحلة، وأن المنطقة شهدت انقسامات واسعة حول قرار التقسيم (181) الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947 والذي قضى بإنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات: دولة عربية، ودولة يهودية، ومنطقة دولية للقدس وبيت لحم، ثم ما تلاه بالحرب التي اندلعت عام 1948.
وبين أن مواقف القادة العرب آنذاك شهدت اختلافات كبيرة بشأن التعامل مع قرار التقسيم وخيارات الحرب، مشيرا إلى أن الدراسات التاريخية والوثائق، من وجهة نظره، تظهر أن الملك عبدالله الأول امتلك رؤية سياسية بعيدة المدى بشأن تداعيات المرحلة.
وقال إن الملك المؤسس كان يرى أن التعامل مع التطورات السياسية بطريقة مختلفة ربما كان سيجنب المنطقة خسائر كبيرة، لكنه في الوقت ذاته لم يخرج عن الإجماع العربي عندما اندلعت الحرب، وشارك الجيش العربي الأردني في المواجهة.
الجيش العربي ودوره في حماية القدس
أكد طريف أن الجيش العربي الأردني كان القوة العربية الوحيدة التي تمكنت من الحفاظ على القدس والضفة الغربية خلال حرب عام 1948، مشيرا إلى أن ذلك مثبت في شهادات ووثائق متعددة، حتى من مصادر إسرائيلية.
وأوضح أن الجيش الأردني خاض معارك شرسة للحفاظ على المدينة المقدسة، وأنه لولا مشاركته لكانت أجزاء واسعة من القدس والضفة الغربية أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية منذ ذلك الوقت.
وأشار إلى أن الملك المؤسس تحمل انتقادات واسعة خلال تلك المرحلة، إلا أن قراءة الأحداث وفق الوثائق، بعيدا عن الخطابات الشعبية، تظهر حجم الدور الذي قام به الأردن في الدفاع عن فلسطين والقدس.
الشعبويات غيّبت حقائق المرحلة
ولفت المؤرخ الأردني إلى أن مرحلة ما بعد حرب 1948 شهدت انتشار روايات شعبية حمّلت الأردن مسؤوليات لا تتوافق مع الوقائع التاريخية، مؤكدا أن العديد من المصادر، بما فيها مصادر غير أردنية، تؤكد الدور الذي قام به الجيش الأردني خلال الحرب.
وأضاف أن مسؤولية المؤرخين اليوم تتمثل في تقديم الرواية التاريخية المدعومة بالوثائق بعيدا عن التسييس أو المبالغة، بما يتيح للأجيال الجديدة فهم الظروف الحقيقية التي أحاطت بتلك المرحلة.
سردية تاريخية تستند إلى الوثائق
وأشار طريف إلى أهمية بناء سردية تاريخية أردنية قائمة على الحقائق والوثائق، توضح مواقف الأردن تجاه القضية الفلسطينية ودور الهاشميين في الدفاع عن القدس والمقدسات.
وأكد أن الأردن والقيادة الهاشمية واصلا عبر مراحل التاريخ تحمل مسؤوليات كبيرة تجاه فلسطين وشعبها، وأن توثيق هذه الأحداث يسهم في حماية الذاكرة التاريخية من التشويه أو القراءة المجتزأة.