ماذا يعني حظر منتجات المستوطنات؟ ولماذا تحركت 12 دولة الآن؟

الصورة
صناديق كرتون تحمل ملصقات طبع عليها كلمة "محظور" تتضمن منتجات من المستوطنات خلفها العلمان البريطاني والفلسطيني
صناديق كرتون تحمل ملصقات طبع عليها كلمة "محظور" تتضمن منتجات من المستوطنات خلفها العلمان البريطاني والفلسطيني
آخر تحديث

أعلنت 12 دولة، بينها المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وإسبانيا، عزمها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة منتجات المستوطنات في السلع القادمة من المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة تنقل الموقف من الاكتفاء بإدانة الاستيطان إلى استخدام أدوات تجارية وقانونية تستهدف المنتجات والجهات المرتبطة بالنشاط الاستيطاني.

وجاء التحرك في وقت قالت فيه الدول الموقعة إن الوضع في الضفة الغربية يتدهور بسرعة، مع تصاعد عنف المستوطنين وتوسع النشاط الاستيطاني، بما في ذلك طرح عطاءات لمشروع E1، معتبرة أن هذه التطورات تقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وتهدد حل الدولتين. 

وفي قلب هذا التحرك تبرز بريطانيا بصورة خاصة، ليس فقط باعتبارها إحدى الدول التي أعلنت إجراءات جديدة، وإنما أيضا بسبب موقعها التاريخي في القضية الفلسطينية؛ فهي صاحبة وعد بلفور عام 1917، ثم تولت الانتداب على فلسطين في عشرينيات القرن الماضي. ومن هنا، فإن انتقال لندن اليوم إلى اتخاذ إجراءات تستهدف النشاط الاستيطاني يحمل دلالات سياسية وتاريخية تتجاوز الأثر التجاري المباشر للقرار.

12 دولة تفتح مسارا تجاريا ضد المستوطنات

تشمل الدول الموقعة على البيان المشترك كلا من:

  • كندا.

  • الدنمارك.

  • فنلندا.

  • فرنسا.

  • آيسلندا.

  • إيرلندا.

  • النرويج.

  • بولندا.

  • البرتغال.

  • إسبانيا.

  • السويد.

  • المملكة المتحدة.

وأكدت هذه الدول نيتها إدخال قيود وطنية و/أو دعم قيود أوروبية على التجارة في السلع القادمة من المستوطنات التي تعتبرها غير قانونية بموجب القانون الدولي، أو أنها تدرس بصورة نشطة هذه الإجراءات وغيرها وفقا لإجراءاتها الوطنية. 

وفي البيان نفسه، أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا أنها ستمضي في إجراءات وطنية لحظر تجارة منتجات المستوطنات، فيما رحبت هذه الدول بالإجراءات التي اتخذتها بالفعل إيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا، وهذا يعني أن الدول الـ12 لا تتبنى جميعها الإجراء ذاته في التوقيت نفسه أو بالآلية نفسها، وإنما تتحرك ضمن درجات مختلفة بين الحظر الوطني ودعم الإجراءات الأوروبية ودراسة خطوات إضافية. 

ويعكس هذا التباين طبيعة التحرك الحالي؛ فالمسار الأوروبي الجماعي لم يصل إلى قرار موحد، بينما اختارت دول عدة استخدام أدواتها الوطنية، الأمر الذي يفتح الباب أمام بناء مجموعة من الإجراءات المتقاربة خارج إطار قرار أوروبي شامل.

لماذا جاء التحرك الآن؟

ربطت الدول الـ12 قرارها مباشرة بتسارع التوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، إضافة إلى قرار طرح عطاءات لمشروع E1، الذي يمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف الاستيطاني. 

وتقول الدول الموقعة إن ما يجري في الضفة الغربية يقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين، كما أكدت رفضها لما وصفته بإجراءات ترقى إلى ضم الأراضي الفلسطينية وتهجير السكان.

ولا ينحصر الأمر، بالتالي، في منع سلعة استيطانية من دخول سوق معين، وإنما يأتي ضمن محاولة لاستخدام الأدوات الاقتصادية والقانونية للضغط على سياسة التوسع الاستيطاني، بالتوازي مع المطالبة بوقف التوسع ومساءلة المسؤولين عن عنف المستوطنين والتحقيق في الادعاءات المتعلقة بانتهاكات القوات الإسرائيلية. 

بريطانيا.. الحزمة الأكثر تفصيلا

قدمت بريطانيا حتى الآن التفاصيل الأوسع بشأن طبيعة إجراءاتها. فقد أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن بلاده ستفرض حظرا على استيراد السلع القادمة من المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة، ضمن نظام عقوبات شامل جديد. 

ولا يتوقف الإجراء البريطاني عند السلع؛ إذ قالت الحكومة إنها ستتخذ إجراءات ضد شركات وأفراد يقدمون خدمات مرتبطة بتوسيع المستوطنات، بما في ذلك البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات.

وبذلك يتسع نطاق السياسة البريطانية من المنتج النهائي إلى الأنشطة الاقتصادية التي تساعد على إنشاء المستوطنات أو توسيعها، بما يعني أن الشركات التي تقدم خدمات أو تمويلا لمشروعات التوسع الاستيطاني يمكن أن تصبح مستهدفة بالعقوبات البريطانية. 

كما أعلن ميليباند إجراءات أخرى تتعلق بالعنف الذي يمارسه مستوطنون، وقال إن بريطانيا ستستخدم نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان لاستهداف المسؤولين عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني. وأعلنت الحكومة أيضا حظر الإعلان عن المستوطنات غير القانونية. 

وفي الوقت نفسه، شددت لندن على أن هذه الإجراءات لا تعني فرض مقاطعة شاملة على دولة الاحتلال أو قطع العلاقات التجارية معها؛ فالحكومة البريطانية تميز بين استهداف المستوطنات وبين العلاقات التجارية الأوسع مع دولة الاحتلال.

بريطانيا وفلسطين.. من وعد بلفور إلى الانتداب

تكتسب الخطوة البريطانية وزنا تاريخيا خاصا عند وضعها في سياق علاقة بريطانيا بالقضية الفلسطينية، ففي الثاني من تشرين الثاني عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور، الذي أعلن دعمها لإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، في وقت كانت فيه فلسطين تضم أغلبية عربية فلسطينية.

وبعد سنوات، انتقلت المبادئ المرتبطة بالوعد من إطار الإعلان السياسي إلى الإطار الدولي للانتداب؛ فقد مُنحت بريطانيا الانتداب على فلسطين في مؤتمر سان ريمو عام 1920، وأقر مجلس عصبة الأمم صك الانتداب في 24 تموز 1922، ودخل حيز التنفيذ في 29 أيلول 1923.

ونص صك الانتداب على مسؤوليات بريطانية تتعلق بتهيئة الظروف اللازمة لإقامة الوطن القومي اليهودي، كما نص في المادة السادسة على تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي في الأراضي، بما في ذلك أراضي الدولة والأراضي غير المستغلة.

ومن هنا، فإن المفارقة التاريخية في الموقف البريطاني الحالي تتمثل في أن الدولة التي اضطلعت بدور مركزي في المرحلة التي سبقت قيام دولة الاحتلال وإعادة تشكيل المشهد السياسي والديموغرافي في فلسطين، تقف اليوم في مقدمة مجموعة دول تستخدم أدوات اقتصادية ضد أحد أبرز مخرجات ذلك المسار، وهو التوسع الاستيطاني.

ولا يعني ذلك أن القرار الحالي يعيد تفسير تاريخ الانتداب أو يحسم المسؤولية عن جميع التطورات التي وقعت لاحقا، لكنه يفسر الوزن السياسي والرمزي الذي يحمله الموقف البريطاني مقارنة بإجراءات دول أخرى.

من السلع إلى الخدمات والتمويل.. اتساع نطاق الاستهداف

تكمن أهمية الحزمة البريطانية في أنها لا تنظر إلى منتجات المستوطنات باعتبارها سلعا منفصلة عن منظومة اقتصادية متكاملة.

فالعقوبات المعلنة تستهدف أيضا شركات وأفرادا يقدمون خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات المرتبطة بتوسيع المستوطنات، وهذا يوسع دائرة الاستهداف من السلعة الموجودة على رف المتجر إلى الشركات التي توفر البيئة الاقتصادية اللازمة لإنشاء مشروعات جديدة أو توسيع مشروعات قائمة. 

وهذا النوع من الإجراءات أكثر تعقيدا من مجرد منع استيراد منتج يحمل اسم مستوطنة؛ لأنه يتطلب تحديد الشركات والمشروعات والخدمات والتمويلات المرتبطة بها، وإثبات الصلة بين النشاط الاقتصادي والتوسع الاستيطاني.

ثغرة المنشأ.. كيف يمكن معرفة مصدر المنتج؟

تمثل مسألة تحديد منشأ السلع إحدى أكثر العقبات تعقيدا أمام أي حظر يستهدف منتجات المستوطنات، فقد تنتقل المنتجات الزراعية، على سبيل المثال، من مناطق المستوطنات إلى مراكز فرز وتعبئة، ثم تصدر عبر شركات تقع داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة دولة الاحتلال، ما يجعل الفصل بين مكان الإنتاج ومكان التعبئة والتصدير مسألة أساسية بالنسبة للسلطات الجمركية.

وأظهرت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة Global Echo، ونشرتها صحيفة الغارديان، أن أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير جرى تحليلها على مدى ثماني سنوات، ووجد التحقيق أن واحدة من كل ست شحنات تمت مراجعتها تضمنت منتجات زراعية من المستوطنات، وأن 42% من تلك المنتجات جرى تمثيلها على أنها منتجات إسرائيلية، وهذه النتائج تطرح تحديا مباشرا أمام فعالية أي نظام يعتمد على بيانات المنشأ وحدها. 

وبالتالي، فإن نجاح الحظر لا يتوقف على صدور القرار السياسي فقط، بل يتطلب قدرة جمركية ورقابية على تتبع سلسلة التوريد والوصول إلى موقع الإنتاج الفعلي والتحقق من بيانات الشركات ومراكز التعبئة والتصدير.

تجارة منتجات المستوطنات بالأرقام.. محدودة أمام مليارات التجارة

رغم الأهمية السياسية والقانونية للإجراءات الجديدة، فإن البيانات المتاحة تشير إلى أن تجارة منتجات المستوطنات تمثل جزءا محدودا من التجارة الإجمالية مع دولة الاحتلال، وهو ما يعني أن أثر الحظر الاقتصادي المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي ككل سيكون محدودا، فيما يتجاوز أثره المالي إلى الجانب السياسي والقانوني.

ويعود أحد أشهر التقديرات المتداولة بشأن حجم هذه التجارة إلى تقدير قدمته حكومة الاحتلال إلى البنك الدولي، وقدر قيمة صادرات منتجات المستوطنات إلى أوروبا بنحو 300 مليون دولار، أي نحو 230 مليون يورو سنويا وفق أسعار تلك الفترة، لكن هذا الرقم يعود إلى تقديرات وتقارير تعود إلى عام 2012، وليس إحصاء أوروبيا حديثا لحجم تجارة المستوطنات في 2026، كما أن دراسة حديثة لـGlobal Echo أشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يملك إحصاءات رسمية مفصلة تفصل بصورة كاملة بين واردات المستوطنات والواردات من داخل دولة الاحتلال.

وتشير الدراسة القديمة إلى أن قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من المستوطنات كانت تعادل نحو 15 ضعف قيمة وارداته من المنتجين الفلسطينيين في ذلك الوقت، وهي مقارنة تعكس الفجوة الكبيرة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية، لكنها لا ينبغي أن تستخدم باعتبارها رقما حديثا للتجارة الحالية. 

أما في الحالة البريطانية، فتبدو الفجوة أوضح. فقد بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين المملكة المتحدة ودولة الاحتلال نحو 6 مليارات جنيه إسترليني عام 2025، وفقا لبيانات الحكومة البريطانية. 

وفي المقابل، بلغت التجارة بين المملكة المتحدة والأراضي الفلسطينية نحو 38 مليون جنيه إسترليني في العام نفسه، منها 27 مليون جنيه تجارة خدمات و11 مليون جنيه تجارة سلع، وبحساب النسبة، تعادل التجارة البريطانية مع الأراضي الفلسطينية نحو 0.63% من إجمالي تجارتها مع دولة الاحتلال. 

لكن من المهم عدم الخلط بين الرقمين؛ فالـ38 مليون جنيه تمثل إجمالي التجارة البريطانية مع الأراضي الفلسطينية، وليست تجارة منتجات المستوطنات. كما أن البيانات البريطانية نفسها تشير إلى احتمال أن تكون أرقام تجارة السلع مع فلسطين أقل من الواقع، بسبب الاتحاد الجمركي القائم بين الأراضي الفلسطينية ودولة الاحتلال، والذي قد يجعل بعض السلع المسجلة على أنها متجهة إلى دولة الاحتلال تصل في النهاية إلى الأراضي الفلسطينية. 

وبالتالي، لا يمكن استخدام رقم الـ38 مليون جنيه باعتباره قيمة تجارة المستوطنات، كما لا توجد في البيانات البريطانية المتاحة قيمة منفصلة ودقيقة لحجم الواردات القادمة من المستوطنات وحدها.

وتوضح هذه المقارنة طبيعة الإجراءات الجديدة: فهي لا تستهدف مليارات التجارة البريطانية مع دولة الاحتلال ككل، وإنما شريحة محددة مرتبطة بالمستوطنات، ولهذا فإن تأثيرها الاقتصادي الكلي يظل محدودا مقارنة بحظر تجاري شامل، بينما تكمن أهميتها في رفع الكلفة القانونية والسياسية والاقتصادية على النشاط الاستيطاني والشركات والخدمات المرتبطة به. 

بريطانيا كانت تميز أصلا بين دولة الاحتلال والمستوطنات

ولم تبدأ السياسة البريطانية تجاه منتجات المستوطنات من الصفر؛ فبريطانيا كانت تميز في نظامها التجاري بين منتجات دولة الاحتلال ومنتجات المستوطنات.

وتنص إرشادات الحكومة البريطانية على أن السلع القادمة من المستوطنات المقامة في الأراضي التي خضعت للإدارة الإسرائيلية منذ عام 1967 لا تستحق المعاملة الجمركية التفضيلية الممنوحة بموجب اتفاق التجارة والشراكة بين المملكة المتحدة ودولة الاحتلال.

لكن الإجراء الجديد يذهب أبعد من مجرد حرمان تلك المنتجات من التفضيلات الجمركية، إذ يتجه إلى حظر الاستيراد نفسه ضمن نظام عقوبات أوسع، إلى جانب استهداف خدمات وشركات وأفراد مرتبطين بتوسيع المستوطنات.

وهنا تكمن النقلة الأساسية: من التعامل مع منتجات المستوطنات باعتبارها حالة جمركية خاصة إلى التعامل معها باعتبارها جزءا من نشاط اقتصادي تريد الحكومة البريطانية وضع قيود قانونية مباشرة عليه.

فرنسا وكندا.. تحرك موازٍ خارج إطار أوروبي موحد

لم يقتصر التحرك على بريطانيا، إذ أعلنت فرنسا وكندا أيضا أنهما ستمضيان في إجراءات وطنية لحظر تجارة منتجات المستوطنات.، وأعلنت فرنسا أن قرارها يأتي على خلفية التوسع السريع للمستوطنات وتصاعد عنف المستوطنين، معتبرة أن طرح عطاءات مشروع E1 يمثل نقطة تحول دفعتها إلى التحرك على المستوى الوطني بدلا من انتظار توافق أوروبي شامل، وأوضحت باريس أن الإجراء لا يمثل مقاطعة شاملة لدولة الاحتلال، بل يستهدف منتجات المستوطنات تحديدا. 

أما كندا، فجاء تحركها ضمن البيان المشترك للدول الـ12، الذي أكد أن أوتاوا وبريطانيا وفرنسا ستطرح إجراءات وطنية لحظر تجارة منتجات المستوطنات، بالتوازي مع دعم مسار أوروبي أوسع. 

ويعكس ذلك تحولا مهما في طريقة التعامل مع الملف؛ فبعد تعثر الوصول إلى موقف أوروبي موحد، بدأت دول منفردة في استخدام أدواتها الوطنية، بما يمكن أن يوسع تدريجيا نطاق الأسواق التي تواجهها منتجات المستوطنات بقيود مباشرة.

رد فعل دولة الاحتلال.. تصعيد دبلوماسي ضد بريطانيا

وجاء الرد من دولة الاحتلال سريعا، إذ أعلنت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، في خطوة ربطتها مباشرة بالعقوبات البريطانية على المستوطنات.

وقالت وكالة "رويترز " في أحدث تطور إن دولة الاحتلال أبلغت القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بضرورة الإغلاق خلال 30 يوما، مع سحب اعتماد الدبلوماسيين العاملين فيها، كما طلبت من ممثلين بريطانيين مشاركين في آلية تنسيق أمريكية مرتبطة بغزة ودبلوماسيين بريطانيين في رام الله مغادرة البلاد خلال سبعة أيام.

وكان وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر قد أعلن أيضا إجراءات أخرى ضد بريطانيا، في تصعيد يعكس اتساع الخلاف السياسي بين الجانبين. وجاءت هذه الخطوات ردا على الحظر البريطاني والإجراءات الفرنسية والكندية ضد منتجات المستوطنات. 

وبذلك انتقل أثر القرار من المجال التجاري إلى العلاقات الدبلوماسية مباشرة، وهو ما يرفع من قيمة الخطوة سياسيا حتى في ظل محدودية حجم التجارة التي تستهدفها.

واشنطن خارج المسار الجديد

في المقابل، لم تنضم الولايات المتحدة إلى مسار حظر منتجات المستوطنات الذي اتخذته بريطانيا وفرنسا وكندا، وأشارت وكالة "رويترز" إلى أن واشنطن أوضحت أنها ستواصل السماح باستيراد منتجات المستوطنات، في موقف يعكس استمرار الفجوة بين السياسة الأمريكية وسياسة مجموعة الدول التي اختارت استخدام أدوات تجارية وطنية للضغط بشأن الاستيطان.

وهذا التباين يعكس انقساما متزايدا بين دول اختارت الانتقال إلى إجراءات اقتصادية وقانونية، وأخرى ما تزال تفضل الإبقاء على أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي.

هل نحن أمام تحول أوروبي أوسع؟

المؤشر الأبرز في التطور الحالي لا يتمثل في قيمة السلع التي سيشملها الحظر فحسب، وإنما في عدد الدول المستعدة للانتقال من إدانة الاستيطان إلى اتخاذ إجراءات عملية.

فالبيان المشترك يضم 12 دولة، ويجمع بين دول ستفرض إجراءات وطنية، وأخرى ستدعم قيودا أوروبية، ودول تدرس خطوات إضافية. كما أن البيان يشير صراحة إلى إجراءات سبق أن اتخذتها إيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا.

وتأتي هذه الخطوة في وقت لم يتمكن فيه الاتحاد الأوروبي من الوصول إلى موقف موحد بشأن حظر تجارة منتجات المستوطنات، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى التحرك منفردة.

ومن شأن اتساع دائرة الإجراءات الوطنية أن يزيد الضغط على الشركات التي تتعامل مع المستوطنات، خصوصا إذا تزامن حظر المنتجات مع قيود على الخدمات والتمويل والاستثمارات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني.

الأثر الاقتصادي والسياسي.. تجارة صغيرة ورسالة كبيرة

اقتصاديا، لا تشير البيانات المتاحة إلى أن حظر منتجات المستوطنات قادر بمفرده على إحداث تأثير واسع في اقتصاد دولة الاحتلال، نظرا إلى محدودية هذه التجارة مقارنة بإجمالي العلاقات التجارية.

لكن المقارنة المالية وحدها لا تعكس كامل أهمية القرار. فاستهداف منتجات المستوطنات يضع للمرة الأولى، على هذا النطاق، كلفة تجارية مباشرة على نشاط تعتبره الدول الموقعة مخالفا للقانون الدولي، كما أن إدراج الخدمات والبناء والتمويل والعقارات في الحزمة البريطانية يوسع نطاق التأثير المحتمل إلى الشركات التي تسهم في استمرار التوسع الاستيطاني. 

أما سياسيا، فإن أهمية القرار تكمن في انتقال مجموعة من الدول من صيغة "إدانة الاستيطان" إلى البحث عن وسائل عملية للتعامل معه، بالتوازي مع تأكيدها أن الهدف هو حماية إمكانية إقامة دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بآليات التنفيذ أكثر من الإعلان السياسي نفسه: متى تدخل القوانين الوطنية حيز التنفيذ، وكيف ستحدد الدول منشأ المنتجات، وما الشركات والخدمات التي ستشملها العقوبات، وهل ستتوسع الإجراءات من السلع إلى الاستثمارات والخدمات والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

وفي حال اتسعت هذه الإجراءات، فقد يتحول القرار الحالي من خطوة ذات أثر اقتصادي محدود إلى إطار أوسع لإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين عدد من الدول الغربية والنشاط الاستيطاني.

اقرأ المزيد.. الأردن يرحب بإجراءات دولية ضد بضائع المستوطنات

دلالات
00:00:00