في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وتزايد المؤشرات على احتمال مواجهة عسكرية، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران إلى الإسراع بالجلوس
المنطقة على حافة التصعيد: قراءة في مآلات المواجهة المحتملة مع إيران
تأتي المواقف الأخيرة الصادرة عن المملكة العربية السعودية، ولا سيما اتصال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس الثلاثاء، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها احتمالات التصعيد العسكري مع محاولات الاحتواء السياسي. وكان بن سلمان قد أكد لبزشكيان خلال الاتصال، بأن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي عمل ضد إيران وشدد ولي العهد السعودي على دعم جهود حل الخلافات بالحوار بما يعزز أمن المنطقة واستقرارها.
وفي هذا السياق، يقدم بدر ماضي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأردنية الألمانية، لـ حسنى، قراءة تحليلية معمقة لطبيعة الدور السعودي، ومواقف الدول العربية، وحدود القرار الأمريكي، وانعكاسات أي ضربة محتملة لإيران على المنطقة بأسرها.
الموقف السعودي ودلالاته الإقليمية
يرى الدكتور بدر ماضي أن الموقف السعودي الرافض لاستخدام أراضي المملكة أو أجوائها في أي ضربة محتملة ضد إيران لا يمكن قراءته بوصفه إجراء دفاعيا ضيقا، بل يعكس توجها إقليميا أوسع.
فالسعودية وفق تحليل ماضي، تتحدث باسم كتلة عربية وإسلامية تضم الأردن ومصر وقطر وتركيا، وتسعى إلى منع انزلاق المنطقة إلى دوامة صراع جديدة ستكون كلفتها الأساسية على الدول العربية نفسها.
ويؤكد أن الرياض باتت الدولة الأكثر تأهيلا لقيادة هذا المسار التوافقي، مستفيدة من ثقلها السياسي وموقعها الجغرافي ودورها المتنامي في الإقليم.
القرار الأمريكي وحدود التأثير العربي
يشير ماضي إلى أن القرار النهائي بشأن توجيه ضربة لإيران يبقى بيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحكمه اعتبارات تتعلق بمصالح إدارته والمجموعة المحيطة به، إضافة إلى أمن "إسرائيل" بوصفه أولوية استراتيجية لواشنطن.
ومع ذلك، يلفت إلى أن الضغوط العربية السابقة نجحت في تأجيل ضربات محتملة، ما يؤكد أن الموقف العربي، وخصوصا السعودي والأردني، ليس هامشيا كما يُصور أحيانا، بل قادر على التأثير في حسابات التوقيت والشكل.
سيناريو الضربة.. بين الردع والتصعيد
يطرح الدكتور بدر ماضي سيناريوهين رئيسيين:
-
سيناريو الضغط دون الحرب: حيث يُستخدم الحشد العسكري الأمريكي كأداة ضغط لإجبار إيران على العودة إلى طاولة التفاوض وتغيير سلوكها الإقليمي.
-
سيناريو الضربة الخاطفة: وهو احتمال قائم، لكنه لا يعني حربا طويلة الأمد، بل ضربة محدودة تهدف إلى إضعاف قدرة إيران على الرد.
ويحذر ماضي من أن أي ضربة، حتى وإن كانت محدودة، قد تفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة في الإقليم.
مخاطر التفكك الداخلي الإيراني
يركز الدكتور بدر ماضي على البعد الداخلي الإيراني، معتبرا أن إيران تعد من أكثر دول المنطقة هشاشة أمام سيناريو التفكك في حال تعرضها لضربة عسكرية.
ويعدد المكونات القابلة للاشتعال، ومنها:
-
الأكراد في الشمال الغربي، مع امتدادات إقليمية مع أذربيجان وكردستان العراق.
-
العرب في إقليم الأحواز، الذين يعانون من تهميش سياسي واقتصادي مزمن منذ عقود.
-
البلوش في الجنوب الشرقي، على تماس مع باكستان وأفغانستان.
-
إضافة إلى الانقسامات داخل المكون الفارسي نفسه بين علمانيين، ولا دينيين، ومعارضين للنظام الديني.
ويرى أن انفجار هذه التناقضات قد يؤدي إلى صراع طويل الأمد لا يقتصر أثره على إيران وحدها، بل يمتد إلى مجمل المنطقة وإن أي ضربة تؤدي لهذا الانقسام ستؤدي إلى "إرباك الأوضاع السياسية والاستراتيجية" في المنطقة، والدخول في دورة صراع جديدة ستكون تبعاتها سيئة جدا.
نظرا لعدم قدرة إيران على الرد المباشر داخل الأراضي الأمريكية، فإنها قد تلجأ لنقل الصراع إلى دول الجوار التي تعتبرها حليفة لواشنطن مثل "الأردن والسعودية ودول الخليج"، واستهداف المصالح الأمريكية المتواجدة فيها.
الحسابات الأمريكية والإسرائيلية
ويركز ماضي على أن الولايات المتحدة لا تبدي حساسية عالية تجاه الصراعات الداخلية في الدول البعيدة جغرافيا عنها، ما دامت لا تمس مصالحها المباشرة.
بل إن مثل هذه الصراعات، كما حدث في العراق وسوريا وليبيا، قد تخدم تعزيز التفوق الإسرائيلي في المنطقة.
وفي هذا السياق، تسعى "إسرائيل" إلى البقاء خارج واجهة الصراع المباشر، مع الاستعداد للاستفادة من نتائجه، سواء عبر إضعاف إيران أو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
إيران بين الطموح الإقليمي والضغط الدولي
يرى ماضي أن إيران أضاعت فرصا عديدة لتكون "دولة رشيدة" تتكيف مع موازين القوى الدولية؛ فمحاولة فرض نفسها كمنافس إقليمي "لإسرائيل" عبر محور المقاومة أثبتت محدوديتها، خاصة بعد اختبار غزة ولبنان، حيث تكشف أن هذا المحور استخدم لخدمة الاستراتيجية الإيرانية أكثر مما خدم قضاياه المعلنة.
أشار ماضي إلى أنه رغم ما تعرضت له غزة من عدوان، ورغم الانتهاكات الكبيرة التي تعرض لها جنوب لبنان، إلا أن إيران لم تتحرك فعليا للدفاع عن هذه الأطراف.
وأوضح ماضي أن إيران لم تتدخل عسكريا إلا في مناسبتين محددتين تتعلقان بأمنها المباشر وكرامة نظامها، وهما:
1. استهداف "إسرائيل" لضباط إيرانيين في القنصلية الإيرانية بسوريا وقتل قيادات مهمة.
2. وقوع هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية.
وأكد ماضي أن استراتيجية إيران تقوم على تبني المحور بشرط ألا يؤثر ذلك على استقرارها الداخلي أو يجهض مخططاتها المستقبلية. فالدخول في مواجهة كبرى من أجل غزة قد يؤدي إلى محاسبة الشعب الإيراني للنظام على استنزاف الموارد الوطنية في الخارج "في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين" بدلا من توجيهها للتنمية الداخلية، وهو صوت بدأ يعلو بالفعل داخل المجتمع الإيراني.
بناء على ذلك، يخلص ماضي إلى أن هذا الاختبار أثبت أن إيران ترفض العودة إلى حدودها لأن ذلك سيعرضها لضغط شعبي داخلي هائل، لكنها في الوقت ذاته لا تتدخل عسكريا عبر "المحور" إلا إذا استهدفت هي بشكل مباشر.
النموذج التركي كبديل محتمل
يشير أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأردنية الألمانية، إلى أن النموذج التركي يقدم مثالا على كيفية تحقيق نفوذ إقليمي ضمن الأطر المقبولة دوليا، دون صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو "إسرائيل".
ويرى ماضي أن هذا النموذج قد يستنسخ جزئيا في سوريا وبعض الدول العربية، ويشترط الدكتور ماضي لنجاح هذا النموذج وقبوله دوليا في المنطقة العربية أمرين أساسيين:
-
وجود اتفاقيات تضمن "أمن إسرائيل"، وهو ما يراه جزءا لا يتجزأ من الأجندة الدولية للمنطقة.
-
وجود اتفاقيات تضمن المصالح الأمريكية العليا في الشرق الأوسط.
وينسجم هذا التوجه مع الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية "خاصة في عهد ترامب" التي تفضل التعامل مع "الدولة" وتجاوز المنظمات غير الدولية.
فالاتصال الأمريكي بالقيادة السورية الجديدة، والتأكيد على وحدة سوريا وقدرة جيشها على بسط الأمن، يعزز فرصة الانتقال نحو نموذج الدولة "الراشدة" التي تبني نفسها ضمن المخطط الإقليمي المرسوم.
يرى ماضي أن فرص نجاح نموذج الدولة القوية "مثل تركيا" تزداد كبديل للسلوك السياسي الإيراني الذي يعتمد على النشاط خارج الحدود وتبني "محاور المقاومة"، وهو سلوك لم يعد مقبولا دوليا ويؤدي لاستنزاف موارد الدول. لذا فإن العودة إلى حدود الدولة وبناء قوتها داخليا هو المسار المرجح للنجاح في المرحلة القادمة.
يخلص ماضي إلى أن التحركات السعودية والعربية الراهنة تهدف بالأساس إلى منع انفجار إقليمي شامل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية على إيران لإعادة تعريف دورها وسلوكها، وبين احتمالي الضربة والتأجيل، تبقى المنطقة معلقة على قرار أمريكي واحد، فيما ستكون الدول العربية، كعادتها الأكثر تضررا من أي خطأ في الحسابات.
اقرأ المزيد.. ما أبرز محطات الحرب بين طهران وتل أبيب